أحمد بن محمد المقري التلمساني

111

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

الاختيار والانتقاء ، وأبقى له فخر السلف على الخلف واللّه سبحانه يمتعه بطول البقاء ، فليتولّ ذلك عادلا في الحكم ، مهتديا بنور العلم ، مسويا بين الخصوم حتى في لحظه والتفاته ، متّصفا من الحلم بأفضل صفاته ، مهيبا في الدين ، رؤوفا بالمؤمنين . جزلا في الأحكام ، مجتهدا في الفصل بأمضى حسام ، مراقبا للّه ، عزّوجلّ ، في النقض والإبرام . وأوصاه بالمشورة التي تقدح زناد التوفيق ، والتثبّت حتى ينتج قياس التحقيق ، بارّا بمشيخة أهل التوثيق ، عادلا إلى سعة الأقوال عند المضيق ، سائرا من مشورة المذهب على أهدى طريق ، وصيّة أصدرها له مصدر الذكرى التي تنفع « 1 » ، ويعلي اللّه بها الدرجات ويرفع ، وإلّا فهو عن الوصاة غني ، وقصده قصد سني ، واللّه عزّوجلّ وليّ إعانته ، والحارس من التبعات أكناف ديانته ، والكفيل بحفظه من الشبهات وصيانته . وأمر أيّده اللّه تعالى أن ينظر في الأحباس على اختلافها ، والأوقاف على شتى أصنافها ، واليتامى التي انسدلت كفالة القضاة على إضعافها ، فيذود عنها طوارق الخلل « 2 » ، ويجري أمورها بما يتكفّل لها بالأمل ، وليعلم أنّ اللّه عزّوجلّ يراه ، وأنّ فلتات الحكم تعاوده المراجعة في أخراه ، فيدّرع جنّة تقواه ، وسبحان من يقول : إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ . فعلى من يقف عليه أن يعرف أمر هذا الإجلال ، صائنا منصبه من الإخلال ، مبادرا أمره الواجب بالامتثال ، بحول اللّه ، وكتب في الثالث من شهر اللّه المحرم ، فاتح عام أربعة وستين وسبعمائة ، عرف اللّه سبحانه فيه هذا المقام العلي عوارف النصر المبين والفتح القريب بمنّه وكرمه فهو المستعان لا ربّ غيره » ؛ انتهى . [ مرسوم من إنشاء لسان الدين أيضا بتولي ابن زمرك كتابة السر ] ونظير هذا ما أنشأه لسان الدين على لسان سلطانه للكاتب أبي عبد اللّه بن زمرك حين تولّى كتابة السّرّ ، ونصّه : « هذا ظهير كريم نصب المعتمد به للأمانة الكبرى ببابه فرفعه ، وأفرد له متلو العزّ وجمعه ، وأوتره وشفعه ، وقربه في بساط الملك تقريبا فتح له باب السعادة وشرعه ، وأعطاه لواء القلم الأعلى فوجب على من دون رتبته من أولي صنعته أن يتبعه ، ورعى له وسيلة السابقة عند استخلاص الملك لما ابتزّه اللّه من يد الغاصب وانتزعه ، وحسبك من زمام لا يحتاج إلى شيء معه ، أمر به أمير المسلمين محمد للكذا الكذا فلان ، وصل اللّه سعادته ، وحرس مجادته ، أطلع اللّه تعالى له وجه العناية أبهى من الصبح الوسيم ، وأقطعه جناب الإنعام الجسيم ، وأنشقه آراج الحظوة عاطرة النسيم ، ونقله من كرسي التدريس والتعليم ، إلى مرقى التنويه والتكريم ، والرتبة التي لا يلقّاها إلّا ذو حظّ عظيم ، وجعل أقلامه جيادا لإجالة أمره العلي ، وخطابه السني ، في ميدان الأقاليم ، ووضع في يده أمانة القلم

--> ( 1 ) أخذه من قوله تعالى : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ . ( 2 ) يذود : يدفع ، وطوارق : جمع طارق ، وهو الآتي ليلا .